السيد نعمة الله الجزائري
360
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
والجبروت لا يستلزمان تصورهما والتصديق بوجودهما ، إذا عرفت هذا فاعلم أن المستفاد من هذه الفقرة وما في معناها أن المعرفة موهبية وهي نور يقذفه اللّه بالقلوب لا مدخل للكسب فيه ، والأخبار الواردة بتأييده مستفيضة كقوله عليه السّلام المعرفة من صنع اللّه عز وجل في القلب مخلوقة ، وقوله ليس للّه على خلقه أن يعرفوا قبل أن يعرّفهم ، وقوله صلوات اللّه عليه ستة أشياء ليس للعباد معرفتها صنع المعرفة تمام الحديث ، وفي حديث آخر قيل له عليه السّلام : المعرفة صنع من هي ؟ قال من صنع اللّه عز وجل ليس للعباد فيها صنع ، ونزلوا عليه الحديث المتواتر وهو قوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم كل مولود يولد على الفطرة ، وفسروا تلك الفطرة بالمعرفة ، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل الحديث ، ونزلوا عليه حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه ، وجعلوا أول الواجبات هو الإقرار بالشهادتين كما نطق به الخبر ، وهؤلاء ذهبوا إلى أن تلك المعرفة المركوزة في العقول المقذوفة في القلوب تتزايد في درجات الكمال بسبب الطاعات والاطلاع على تفصيل البراهين القاطعة ، وذهب معظم علماء الإسلام من المتكلمين وغيرهم إلى أن المعرفة كسبية يجب تحصيلها وهي أول الواجبات ، وفي بعض الأخبار دلالة عليه أيضا ، وقد ذكرنا في شرح كتاب التوحيد وجوها للجمع بين الأخبار . منها ما ذكره العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني عطر اللّه مرقده ونص على أنه مستفاد من الأخبار وهو أن للمعرفة مراتب ، الأول وهي أدناها أن يعرف العبد أن للعالم صانعا ، الثانية أن يصدق وجوده ، الثالثة أن يترقى إلى توحيده وتنزيهه عن الشركاء ، الرابعة مرتبة الإخلاص له ، الخامسة نفي الصفات التي تعتبرها الأذهان له عنه ، وهي غاية العرفان ، وكل مرتبة من المراتب الأربع مبدأ لما بعدها والأوليان مجبولتان في الفطرة الإنسانية بل في الفطرة الحيوانية أيضا ، ولذا لم يدع الأنبياء عليهم السّلام إليهما مع أنهما لو توقفا على الدعوة لزم الدور لأن صدقهم مبني على أن ههنا صانعا للخلق أرسلهم ، بل الذي دعا إليه الأنبياء عليهم السّلام هي المرتبة الثالثة وما بعدها ، وهي الواردة في كلمة الإخلاص بقوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم من قال لا إله إلّا اللّه دخل الجنة ، ثم لما استعدت أذهانهم لما بعدها من المراتب قال عليه السّلام من قال لا إله إلا اللّه خالصا مخلصا دخل الجنة ، وحينئذ فالموهبي من المعرفة الدرجتان الأوليان وباقي المراتب كسبية نظرية ، ولهذا اضطربت فيها عقول أرباب الملك وغيرهم من الكفار ، أما الأوليان فلم يخالف فيهما أحد لأن القائلين بأن العالم وجد عن طبيعة وأن الطبيعة